ابن قيم الجوزية

49

الروح

حباني إلهي في الجنان بقية * لها ألف باب من لجين « 1 » وجوهرا وقال لي الرحمن يا شعبة الذي * تبحر في جمع العلوم فأكثرا تنعم بقربي إنني عنك ذو رضا * وعن عبدي القوام في الليل مسعرا كفا مسعرا عزا بأن سيزورني * واكشف عن وجهي الكريم لينظرا وهذا فعالي بالذين تنسكوا * ولم يألفوا في سالف الدهر منكرا قال أحمد بن محمد اللبدي : رأيت أحمد بن حنبل في النوم فقلت : يا أبا عبد اللّه ما فعل اللّه بك ؟ قال : غفر لي ، قال : يا أحمد ضربت فيّ ستين سوطا ؟ قلت : نعم يا رب ، قال : هذا وجهي قد أبحتك فانظر إليه . وقال أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج : حدثني رجل من أهل طرطوس قال : دعوت اللّه عز وجل أن يريني أهل القبور حتى أسألهم عن أحمد بن حنبل ما فعل اللّه به ؟ فرأيت بعد عشر سنين في المنام كأن أهل القبور قد قاموا على قبورهم فبادروني بالكلام فقالوا : يا هذا كم تدعو اللّه عز وجل أن يريك إيانا تسألنا عن رجل لم يزل منذ فارقكم تحليه الملائكة تحت شجرة طوبى . قال أبو محمد عبد الحق : وهذا الكلام من أهل القبور إنما هو إخبار عن علو درجة أحمد بن حنبل وارتفاع مكانه وعظم منزلته ، فلم يقدروا أو يعبروا عن صفة حاله وعن ما هو فيه إلا بهذا وما هو في معناه . وقال أبو جعفر السقاء صاحب بشر بن الحارث « 2 » : رأيت بشرا الحافي ومعروفا الكرخي « 3 » وهما جائيان فقلت : من أين ؟ قالا : من جنة الفردوس زرنا كليم اللّه موسى . وقال عاصم الجزري : رأيت في النوم كأني لقيت بشر بن الحارث ، فقلت : من أين أبا نصر ؟ قال : من عليين ، قلت : فما فعل أحمد بن حنبل . قال : تركته الساعة مع عبد الوهاب الوراق بين يدي اللّه عز وجل يأكلان ويشربان ، قلت له :

--> ( 1 ) اللجين بالضم : الفضة . ( 2 ) هو أبو نصر بشر بن الحارث المروزي الزاهد المعروف ببشر الحافي ، سمع من حماد بن زيد وإبراهيم بن سعد وطبقتهما ، وعني بالعلم ثم أقبل على شأنه ودفن كتبه وحدث بشيء يسير ، وكان في الفقه على مذهب الثوري ، وقد صنف العلماء في مناقب بشر وكراماته رحمه ، توفي ببغداد في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائة وعاش خمسا وسبعين سنة . ( 3 ) هو القدوة الزاهد صاحب الأحوال والكرامات ، توفي سنة مائتين للهجرة .